
إعادة بناء الأحلام من خلال التعليم.. قصة شيماء
السياق والتحدي
بالنسبة لشيماء ذات العشر سنوات، بدا العودة إلى المدرسة مرة أخرى حلماً بعيد المنال بعد سنوات من النزاع والنزوح والمعاناة التي أثرت بعمق على طفولتها. بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها أسرتها، تعيش شيماء مع إعاقة ذهنية مرتبطة بحالة صحية مشابهة للصرع، مما جعل الوصول إلى التعليم والاستقرار العاطفي تحدياً كبيراً لها ولأسرتها على حد سواء.
قبل انضمامها إلى البرنامج، كانت شيماء قد تراجعت بشكل كبير في تعليمها بسبب الانقطاعات الطويلة الناجمة عن الحرب والنزوح. كما أثرت هذه التجارب على صحتها النفسية؛ إذ كانت غالباً ما تواجه صعوبة في التفاعل مع الآخرين وتجد صعوبة في مواكبة أقرانها من نفس العمر في الأوساط التعليمية. وكانت أسرتها تعيش في قلق دائم بشأن مستقبلها، خاصة في ظل محدودية مواردها المالية وعدم توفر الخدمات التعليمية والدعم المصمم خصيصاً لتلبية احتياجاتها.
استجابة البرنامج
غير أن حياتها بدأت تتغير عندما التحقت ببرنامج التعليم المتسارع (ALP) لدى مؤسسة دان للإغاثة والتنمية في منطقة هجين بريف دير الزور الشرقي. وفر لها البرنامج فرصة العودة إلى التعلم في بيئة آمنة وشاملة وملائمة للأطفال، تراعي احتياجات الأطفال ذوي الإعاقة. ومن خلال الدعم التعليمي المصمم خصيصاً والمتابعة الفردية من قبل المعلمين، تمكنت شيماء من التقدم بالوتيرة المناسبة لقدراتها.
امتد الدعم إلى ما هو أبعد من الجانب الأكاديمي. فجلسات الدعم النفسي والاجتماعي المنتظمة (MHPSS) ساعدتها في التعبير عن مشاعرها، والتعامل مع التجارب الصعبة التي مرت بها، وبناء ثقتها بنفسها تدريجياً. كما شاركت في مجموعة متنوعة من الأنشطة الترفيهية والتعليمية التي مكنتها من اكتشاف نقاط قوتها ومواهبها. وبرز شغفها بالرسم وأنشطة تمثيل الأدوار بشكل خاص، كأدوات مهمة عززت تفاعلها مع الآخرين وسمحت لشخصيتها بالازدهار بطريقة إيجابية.

إشراك الأسرة
في الوقت نفسه، استفادت أسرتها من جلسات التوعية ودعم مقدمي الرعاية المخصصة، حيث تعلموا نهجاً عملية لتلبية الاحتياجات التعليمية والنفسية والاجتماعية لابنتهم، وتهيئة بيئة منزلية داعمة تشجعها على مواصلة التعلم والانتظام في المدرسة. وقد عزز ذلك التعاون بين الأسرة والفريق التعليمي وساهم بشكل كبير في تقدمها.
التقدم والنتائج
في غضون فترة قصيرة نسبياً، أصبحت التغييرات الملحوظة واضحة. تحسن أداء شيماء الأكاديمي تدريجياً، مما مكنها من إكمال الصفين الأول والثاني بنجاح. وأصبحت أكثر انتظاماً في حضور المدرسة، وأكثر مشاركة في الأنشطة الصفية، وأكثر ثقة في المشاركة إلى جانب أقرانها. كما كوّنت صداقات جديدة، بينما لاحظ كل من معلميها وأسرتها تحسناً ملحوظاً في مهارات التواصل والتعبير عن الذات، وفي شعورها العام بالأمان والانتماء داخل البيئة المدرسية.
كان الدعم المستمر والتشجيع الذي تلقته من معلمتها عاملاً رئيسياً في هذه الرحلة. ولأول مرة، شعرت شيماء أن هناك من يفهم حقاً حالتها الصحية ويؤمن بقدرتها على النجاح. أصبحت هذه الثقة مصدر قوة وتحفيز، مما شجعها على المثابرة ومواصلة التقدم.
الفصل التالي
اليوم، وبعد إكمالها برنامج التعليم المتسارع بنجاح، تستعد شيماء للانتقال إلى التعليم النظامي في بداية العام الدراسي 2026–2027، حيث ستواصل دراستها في الصف الثالث إلى جانب أقرانها، إيذاناً ببداية فصل جديد في مسيرتها التعليمية.
أصوات التغيير
تقول والدتها بفخر:
“بعد كل ما مررنا به، كنا نخشى ألا تعود ابنتنا إلى المدرسة أبداً. واليوم، نراها تذهب إلى المدرسة بسعادة وتتحدث بثقة عن معلمتها وأصدقائها. بالنسبة لنا، هذا هو الإنجاز الأكبر”.
وبابتسامة، تقول شيماء:
“أحب المدرسة كثيراً الآن. أستمتع بالرسم واللعب مع أصدقائي، وأحلم بمواصلة تعليمي وأن أصبح معلمة عندما أكبر”.
الأثر والدروس المستفادة
على الرغم من أن شيماء لا تزال بحاجة إلى متابعة طبية منتظمة لحالتها الصحية، فإن رحلتها تثبت أن توفير خدمات تعليمية ونفسية واجتماعية وأسرية متكاملة يمكن أن يعيد الأمل للأطفال الأكثر ضعفاً. وتذكرنا قصتها بقوة أنه عندما تُمنح الأطفال الفرصة والدعم والإيمان الذي تستحقه، يمكنها التغلب على الشدائد، واستعادة حقها في التعليم، وبناء مستقبل أكثر إشراقاً مليئاً بالأمل والإمكانيات.
التعليقات مغلقة.